ابن كثير
193
البداية والنهاية
القرب لا تدخلها بغيرها . قال : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب ( 1 ) الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد ، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون ، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وقال : يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا . قال : صدقت فجعل ينتره بتلبيبه ويجره يعني يرده إلى قريش ، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني ! فزاد ذلك الناس إلى ما بهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا جندل اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا . إنا قد عقدنا بيننا وبين . القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله ، وإنا لا نغدر بهم " قال : فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول : اصبر أبا جندل ، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب . قال : ويدني قائم السيف منه . قال : يقول عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه . قال فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية . فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ، وسعد بن أبي وقاص ، ومحمود بن مسلمة ، ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك وعلي بن أبي طالب ، وكتب ، وكان هو كاتب الصحيفة ( 2 ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا في الحل ( 3 ) وكان يصلي في الحرم ، فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره ، ثم جلس فحلق رأسه ، وكان الذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي ، فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون . قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال : حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرحم الله المحلقين " قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : " يرحم الله المحلقين " قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : " يرحم الله المحلقين " قالوا والمقصرين يا رسول الله ! قال " والمقصرين " قالوا : يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين ؟ قال : لم يشكوا . وقال عبد الله بن أبي نجيح : حدثني مجاهد عن ابن عباس أن
--> ( 1 ) قال في مغازي الواقدي : أن أبا جندل جاء قبل أن يكتب الكتاب . ولما أراد سهيل رده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد . فقال سهيل : والله لا أكاتبك على شئ حتى ترده إلي . فرده . ( 2 ) زاد الواقدي : أبو عبيدة بن الجراح ، وحويطب بن عبد العزى ولم يذكر عبد الله بن سهيل بن عمرو . ( 3 ) مضطربا في الحل : أي أن أبنيته مضروبة في الحل ، وكانت صلاته في الحرم ، وهذا القرب الحديبية من حرم .